بيوت دافئة، وابناء غاضبون
Share
عزيزتي القارئة،
في كل مرة يُقتل فيها انسان بريء، وفي كل مرة نكتشف ان من كان خلف السلاح هو مراهق او شابًا في اول عمره، يخرج السؤال ذاته، بلا رحمة
اين دور الام؟الام التي ”بتخلّف وبتزت“؟
جملة قاسية، نرددها بسهولة، كأنها تشرح كل شيء، بينما هي لا تشرح شيئًا.
حين نسمع ان شابًا صغيرًا ضغط على الزناد، نركض فورًا إلى البيت، الى الام. الى التربية.
لكننا ننسى ان الطريق الى السلاح نادرًا ما يبدأ بالرصاصة. انما يبدأ بصمت طويل، بفراغ عاطفي وبغضب لم يجد من يسمعه.
نعم.
للأم دور.
كما للأب دور.
وهذا يجب ان يُقال بصدق، لا بخوف. هناك امهات عملن كثيرًا، لا لأن العمل طموح فقط بل لانه احيانًا اسهل من مواجهة علاقة متعبة مع اولادهن. وهناك اباء اختصروا الابوة في الراتب، واعتقدوا ان المال يعوّض الغياب، ويُسكت الاسئلة الصعبة. وهناك بيوت كان فيها الاهل موجودين جسديًا، لكن غير متاحين نفسيًا. والغياب لا يكون دائما بالخروج من البيت، احيانًا نكون حاضرين، لكن لا نرى.
وهنا، ربما الجزء الاصعب. كثير من الامهات لم يربّين ”مجرمين“ عن قصد. لم يقلن او يخططن يومًا: ”اريده عنيفًا“. لكن بعضهن تسامحن مع اشارات صغيرة، وقالوا: ”ولاد.. بكرا بكبرو“، ضحكنا على قسوة في الكلام، بررنا غضبًا زائدًا، سكتنا عن تمجيد القوة، واعتبرنا الصمت ”رجولة“.
ومع الوقت، كبر الصغير، ولم تعد الاشارات صغيرة.
هذا النص ليس لإدانة أم ولا لتبرئة أم. بل ليقول شيئًا واحدًا بوضوح:
التربية ليست نوايا.
هي حضور.
وهي شجاعة المواجهة قبل ان يواجه ابنك العالم وحده، بغضب لا تعرفين من اين جاء.
نعم لا يمكن للأم وحدها أن تحمي ابنها من منظومة كاملة فاشلة. ولا يمكن تحميلها ذنب مجتمع مسلّح وخائف. لكن ايضًا، لا يمكننا الاستمرار في ترديد ”عملت اللي عليّ“ بينما العلاقة فارغة، والحديث غائب، والقلب بعيد.
ربما السؤال الحقيقي ليس فقط اين دور الام؟ بل:
متى نتوقف عن السؤال بعد فوات الاوان، ونجرؤ على طرحه الان داخل بيوتنا؟
عزيزتي الماما،
إن كنتِ تقرئين هذا النص وشعرتِ بانقباضٍ خفيف، فربما ليس لأنه اتهام، بل لأنه مرآة. ليس مطلوبًا منكِ أن تكوني مثالية، ولا متفرغة دائمًا، ولا حاضرة بلا تعب. لكن ربما المطلوب اليوم شيء أبسط ،وأصعب:
أن تنصتي.
أن تسألي قبل أن تحاسبي. أن تلاحظي الإشارات الصغيرة قبل أن تكبر وتصبح واقعًا لا يُحتمل. أن تتذكري أن ابنك لا يحتاج أمًا تعرف كل الأجوبة، بل أمًا لا تخاف من الأسئلة.
وإن شعرتِ أنكِ ابتعدتِ،
فالعودة ممكنة.
دائمًا.
ليس غدًا،
ولا حين يكبر،
بل الآن.
-بكُل محبة،
شذى